أوهي طقس تلبس فكري لشيطان الرفض يلوذ بالتراتيل والدعاء من اجل تحقيق الخلاص ..النسخة الجديدة لمسرحية المجنون لتوفيق الجبالي التي افتتحت مؤخرا تظاهرة "مواسم الابداع "هي نسخة تثور على مناخات جبران خليل جبران في كتابه "المجنون" والتي سادت النسخة الأولى للعمل المسرحي لتنتمي مباشرة الى" الآن وهنا "وتكون الرؤية الاخراجية والسينوغرافيا فيها قائمة على كتابة مشهدية بصرية عصرية تعتمد على انصهار أعمق بين التراتيل وقصائد الكوميديا الإلهية والحركات والرقصات والمؤثرات البصرية والصوتية، حيث يتحرر النص من طابعه الأدبي الهادىء ليصبح ديناميكيا صادما متأججا حرية وانعتاقا يركض مابين مملكة الجنون داخل الفرد وتناقضات العالم ركضا محموما شبيه يشعر درويش
أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى / أرى / لا أرى / أتذكَّرُ / أَسمعُ / أُبصرُ / أهذي / أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أُجنّ / أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أُدْمَى / ويغمى عليّ"
مخاتلة البدايات ..مسرح معاصر ينتصر الى شاعرية أم البدايات
لم يتخل الجبالي عن استنطاق الوضعيات المسرحية و قنص خفة المعنى فيها وممارسة امتيازه: فن اللعب بالكلمات والوضعيات رغم انطلاقه من نص جبران خليل جبران من خلال تقديم وضعيات القصص القصيرة المبسطة حمّالة حطب الشك التي تزرع بذور الشك في أرض اليقين.
فتلك القصص الساخرة المبسطة لجبران التي يبدأ بها العرض تضعنا في مرفأ بعيد هادىء فندخل آمنين عالم الشاعرية شاعرية جبران ومثله عالم توفيق الجبالي المتمسك دوما بتقديم الجمال والشاعرية في ابعاد عدة..فنجلس ونحن نشاهد العرض ، مثلهما بين جفنات العنب والعناقيدُ تدلّتْ كثريّات الذهب
و فرشنا العشبَ ليلاً وتلحّفنا الفضاء..كل ذلك ونحن نتابع مشهد الممثلات يروين بترو حكايا داخل ذلك المناخ المنعش الهادىء وهن يفترشن الأرض ويلتحفن الفضاء في عمل مسرحي تخلصت شخوصه من ثقل المادة .. مسرح بلا سيلوليت ولا كولسترول الأجساد والافكار ولا بواقي البلاستيك .حر من افرازات مخابر الرأسمالية ومحرقة الاستهلاك..
وما تلك البدايات الشاعرية سوى نسائم باردة منعشة سبقت ضراوة حرب اقتحمت الفضاء فجأةو يبدو أن شياطينها قد تسللت من السواد الذي يجتاح زوايا المكان وقد تكون قد تسللت ايضا من عقولنا وذواتنا نحن المشاهدين الشاهدين .
وباعتماد سلاح مبتكر متعدد الطلقات المتمثل في أثر جبران رسما وشعرا ونثرا قاد الجبالي عملية نوعية فكرية ثقيلة تقصف التفكير الدغمائي برا وبحرا وجوا لمواجهة حرب اخرى غير معلنة تستهدف قيم الانسانية فهذه النار المفتوحة يوميا بلا هوادة ولارحمة تتحالف فيها كل القوى لخوض معركة هستيرية ضد الجمال وضد الفكر ضد عقل اعزل ثم يستدرجنا العمل إلى الصراع الأكثر خطورة:معركة الداخل تحت شعار فتاك: " قتلتنا الردة قتلتنا ان الواحد منا يحمل في الداخل ضده" بكل ما تعكسه الفكرة من معاني التمزق النفسي والانفصام معركة الأنا/ الضد تحاصرهذا النصف المهجن المدجن الذي يحتل الداخل فينا ويمشي الهوينا على سجاد الجهل والشعوذة والايديولوجيا ثم يدخلنا ويدخل في هستيريا عبثية تنتشي على ايقاعات مجنونة فلا نملك غير خيار الحصار..
حاصر جنونك فأنت الآن حر
حصار محموم وغوص عميق في مفهوم الجنون وتصوير لملحمة لصراع الداخل الذي يتغذى من جنون الخارج واقتحام للزاويا المظلمة واعتقال لهلوسات العقل فقد يضطر العاقل الى شرب ماء الجنون حتى يقول المجانين انه ثاب الى رشده ويقيمون طقوس الاحتفال مثلما تروي احداهن في المسرحية لأن نعيم الجاهل أربك شقاوة ذو العقل انها دعوة محفوفة بالمخاطر للتجول داخل الذات فنتحول معها الى ذرة أثيرية تسبح داخل ملكوت الجنون فنقتفي عبثا جنون حصان هائج لايكبح جماحه أحد..فيضيع التوازن تحت تأثير صدى تعويذات وتمائم وتراتيل تتردد في الفضاء.. أصوات منتقاة وكأنها دعوات نورانية للانسانية لادراك الخلاص والتمكن من النجاة..اوربما هي ماتبقى من نشيد الروح للانعتاق.
وضعيات مسرحية أشبه ب"فلتر "مخبري وتشريح خطير لمادة معدية(الجنون/الشك/الرفض)
تعرف الأشياء باضدادها فتضع قشرتها على شاطئ الخيال وتلبس حينما تخرج من بحر التفكير أفكار أخرى يظنها من لايتابع الأحداث جنونا لكن مالحيلة و الحقيقة اغرب من الهلوسات؟
تبرز الوضعيات والمنطوق المزدحم بمعجم الاضداد في هذا العمل مثل فلتر عاكس للأسود و الأبيض و كأننا في مخبر ميكروفيزيائي يحلل الظواهر والكائنات باعتماد اشعاعا عاكسا يعري التناقض فنفهم أننا بصدد القيام بجولة داخل عقل تتقاذفه رياح الجنون ونواكب عمليةتشريح خطير لمادة معدية هي الجنون/الشك/التفكير..
فنرى جنوننا مجسدا بالعين المجردة فوق الخشبة ويفارقها ليعلو ويسيطر على الفضاء ويحاصرنا جبروته فلا نملك الهروب أو رفاهية التبرير: انها الحرب قد تثقل القلب لكن وراءك عار العرب فلا تصالح ولا تتوخ الهرب .. انها عودة إلى التفكير الفلسفي لنراجع ما وصلنا إليه في عملية تحشيد نوعية للفنون والرؤى من أجل تشخيص مايحدث والتذكير بالمبادىء العليا والقيم الإنسانية الخالدة و لعل أهمها حرية التفكير. انها محاولة محمومة مجنونة لردم تلك الهوة السوداء السحيقة المخيفة التي وصلت إليها الإنسانية فنحاول تقفي ذلك الخيط الرفيع ما بين الابداع والجنون بين الهلوسات والرؤى ونسأل:ماذا لو كان الجنون هو عين العقل؟ وتظن انك نجوت فتذكر ماقاله واسيني الأعرج في روايته طوق الياسمين: "حينما تعرف الكل، لا شيء ينقذك من حتمية الجنون"
فهذه النار المفتوحة بلا هوادة ولارحمة تذكرنا بما أحال اليه ووتر كوستر حينما اعتبر أن التجربة الذهانية تشترك مع تجربة التصوف والفلسفة في عملية محاولة الوصول إلى سر الوجود والمبدأ الأصل، لكنها تقع خارج القواعد المألوفة للغة والمنطق.
الصوت..مايسترو العمل
الخلفية الموسيقية تضبط الأحداث وتنثرها وتضبط سرعة دقات القلب وتتحكم في النبض العام للاحداث هي ذلك العفريت المجنون الممسك بخيوط اللعبة الدرامية فتشاهد شخصيات تظن انها المركز غير أنها جزء من عالم يحكمها الضوءوالحركة ويسيطر عليها الصوت والايقاع .
تلك التراتيل والادعية والتعاويذ التي ترددها الجوقة هي بعض التعبيرات النثروبولوجية الإنسانية في تأرجحها بين المعرفة والشعوذة والجمال والقبح تم نشرها جميعا على حبل الصوت /ميزان كل شيء. فتتدفق المعاني موجعة مفزعة .. في معالجة مُحكمة للاصوات والصدى وفي تقلبها بين النشوة والوجع .. اخترقها صوت الجبالي نفسه مرة بكل حزم وعزم صوت يكشف بعنف بعض ما يعتريه من رفض وتمرد على كل ذلك الزيف والقبح والجبروت صوت يتردد صداه في البرك الاسنة فيحرض العواصف فيها. صوت يذكرنا بجرح مكابر ضمن ابيات متمردة ألقاها محمود درويش واخرى القاها كحمم بركانية مظفر النواب في لحظات الغضب لأن الكرامة غضب.
أيها السادة المحترمون دعونا نضحك..
أصوات وأفكار وهلوسات حاصرت قبلنا انطونين ارتو في مصحة عقلية عاش فيها عشرات السنين فقال في رسالة كتبها إلى الأطباء الذين يديرون مصحات الأمراض العقلية"أيها السادة المحترمون، يسمح لكم القانون والعرف بتقييم عقول البشر، أنتم موكلون بممارسة هذه السلطة الهائلة، على هواكم ووفق آرائكم. لذا دعونا نضحك . "
العبقري أرتو، مؤسس مسرح القسوة، كان يعتمد الضحك كوسيلة لـرفض الزيف وكسر القواعد الاجتماعية واللغوية الراكدة التي تكبّل الإنسان.
ويدعو الى التحرر الجسد بإطلاق الصرخة المكبوتة وعودة المسرح إلى طقوسه البدائية والجسدية النقية ومقاوم العبث و السخرية من واقع هجين ..
إنها دعوة للضحك الشبيه بصرخة غضب و احتجاج، ضحك موقظ للحواس ويهز أركان الوعي المستكين الى البداهة.
تلك الافكار التي حاصرت ارتو في مصحة عقلية حاصرت ايضا منور صمادح في مستشفى الرازي حين قال:"
شاهد أنت عليهم وعليك الكلمات"
بقلم: وفاء الهمامي